مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة "اللقاء"


aya
01 Nov 2006, 06:51 PM
حاولت أن تبتسم و لكن جاءت أبتسامتها باهته مرتعشه و هي تقول " سأكون بخير...لا تقلق عليّ " ثم أمتلأت عيناها بالدموع و أنخفض صوتها قائله " قلبي لا خوف عليه من أى جراحه...فأنت تسكن فيه...و انا أثق انك قادر على حمايته جيدا... " نظر اليها و هو يغالب دموعه...أراد أن يطمئنها...أراد أن يمحي خوفها الذى تجاهد حتى تخفيه عنه...ود لو يأخذها بعيدا...بعيدا عن كل هذا القلق و الألم...قطع صوتها الواهن أفكاره و هي تقول " بماذا ستفسر غيابي عن الطفل؟ " فاق من خواطره و حاول ان يرسم ابتسامه سريعه قائلا " لا تقلقي عليه فهو بخير...و يعلم انك في رحله عمل و لن تعودين قبل فترة " قالت في صوت حالم " انه فتى رائع...كم اتمنى ان نحيا ثلاثتنا سويا فى بيتنا...أتظن هذا الحلم قد يتحقق يوما؟ " ضغط على يديها فى رفق قائلا " جميع احلامك سوف تتحقق بإذن الله...و سنحيا في سعاده حتى آخر العمر..." "آخر العمر"... ترددت هذة العبارة في اعماقها...و تساءلت متى يكون آخر العمر؟؟؟ أهو بعيد كما توحي العبارة؟؟؟ أم هو بعد لحظات قليله؟؟؟ تمنت لو يتوقف الزمن...لو تستمر يديها بين يديه...و عيناها في عينيه...و قلبهما ينبض نبض واحد... و لكن الممرضة عادت لتعلن أن حجرة العمليات قد أعدت لها...ووقف ينظر لها و هي تبتعد رويدا رويدا...
ترك جسده يسقط على أقرب مقعد...ثم أسند رأسه على الحائط و أطلق لذهنه العنان...كانت برودة كفيها مازالت بين يديه...و نظراتها الحيرى عالقه في ذهنه...زفر في ألم و هو يغمض عينيه...
كم يحبها...بل إنه لن يبالغ لو قال إنه لم يعش يوما إلا لها...مرت ذكرياتهما معا كأنه شريط أمام عينيه...
حياته قبلها كانت فراغ...قبل أن يراها كان يظن انه يملك كل شيء...عمل ناجح ينمو يوما بعد يوم...أسرة كبيرة يعشق دفئها...أصدقاء رائعين...كان يشعر بالرضا الكامل و لم يكن يتطلع لأى شيء...حتى عرفها...كل صفاتها جذبته اليها...البساطة...المرح...الطفولة...الطيبة...الحنا ن الغامر...العقل الراجح و التفكير المتزن...و عندما خطبها ووافقت عاشا أحلى أيامهما...كان كل يوم يحبها أكثر و يحترمها أكثر...حبها العميق له و حنانها جعلا قصتهما كاملة...
كانت تفتقد الأسرة التي تعيش كلها في الخارج...فاحاطها برعايته و أهتمامه...كان يحتضنها بعينيه...و يحتويها بتفهمه العميق لها...
لم تمضي بضعة أشهر حتى كانا قد تزوجا...و بزواجهما ظن انه بلغ اقصى الأماني...و لم يعد يحتاج فى حياته اكثر من هذا...بل لم يكن يظن ان هناك سعادة اكبر من سعادتهما سويا...
قطع افكاره صوت الممرضة الهاديء عندما هزت كتفيه برفق قائله " أنا آسفة لإزعاجك و لكنك ان تستطيع أن تظل هنا حتى تنتهى العمليه...يمكن أن تجلس فى الأستقبال فى الدور الأرضي..." لم يعلم كيف تحرك من مكانه...بل لم يشعر إلا وهو يجلس على ذلك المقعد الكبير فى أحد أطراف الأستقبال البعيده...كان مرهقا...قلقا..خائفا...خائف من أن يفقدها مرة آخرى...الى غير رجعه...
هز رأسه في عنف كأنما ينفض عنها أفكارها الكئيبة...و لكن الأفكار و المخاوف عادت لتلح عليه من جديد...ماذا لو فقدها ثانية؟؟؟ماذا لو قدر لهما أن يفترقا للأبد بعد أن جمعهما القدر من جديد؟؟؟ إنه لن يستطيع ان يحيا من دونها يوما آخر...فمرارة الفراق و الم البعد مازال يستشعرهما بداخله...فراقها الذي لم يقو عليه يوما...مهما تظاهر بعكس ذلك...و مهما حاول أن يخفي آلام النفس و جراحها...
كان هذا الفراق منذ 6 سنوات...و لكنه مازال يذكر تفاصيله الحزينه كانه كان بالأمس القريب...كان ذلك بعد زواجهما بشهور قليلة...و قبله كانا يحلقان في سماء السعادة التي لا حدود لها...سعادة نقية صافية تتدفق من نبع لا يجف...لم يتعبا في الحصول عليها قط...و لم تكلفهما شيئا...فقد كانت تفيض من قلبهما...و تنبع من باطنهما...كانا يريان السعادة في كل شىء...فى الهواء...في الماء...في السماء...فى الحديث و النظرات...في تشابك الأصابع...في تلاقى الأيدى...في أى شيء...و كل شيء...
و أكتملت السعادة حين علما أن طفلهما الأول في الطريق...و بدأت تجهيز غرفته...و شراء اللعب و الملابس الصغيرة...و أصبح كل شىء معد لإستقبال الضيف الغالي...
و لكن مع مرور الوقت أصبحت تتعب كثيرا...و تواجه مشاكل لا تواجهها أى زوجه فى مثل حالتها...و عندما ذهبا للطبيب أخبرهما بالأمر الذى زلزل حياتهما...فقد كان الطفل في وضع خطير...
و كان هناك خيارين لا ثالث لهما...إما أن تحتفظ به و تعرض حياتها للخطر...و إما أن تتخلص منه و تستعد لمواجهة متاعب كثيرة إذا حدث حمل مرة ثانية...
لم يكن مستعد للمجازفة...لذا فقد كان الأمر محسوم بالنسبه له...سوف تتخلص من الطفل نهائيا...و لكن الأمر كان مختلف معها...فقد تمسكت بالطفل محاولة إقناعه بأنها سوف تتبع إرشادات الطبيب حتى النهاية...و انها لن تستطيع ان تتخلص من طفلهما من اجل مخاوف من الممكن تجنبها...و لكنه رفض بشده...
ظلا فى هذة الدوامة فترة ليست قصيرة...عشهما الجميل الذى لم يعلو صوت احدهما فيه مرة, اصبح زاخر كل يوم بالخصام و الشجار...حتى اقدم على أحمق عمل فى حياته...عندما قرر ان يترك بيتهما كوسيله للضغط عليها...
إنه حتى هذة اللحظة لا يصدق إنه فعل هذا...لقد خيرها بينه و بين الطفل...و لن ينسى ابدا نظرة الألم فى عينيها عندما ابلغها بقراره...فقد وقفت امامه مذهوله...ثم قالت فى صوت مازالت نبراته محفوره فى ذهنه حتى الآن " انت تخيرني بينك و بين جزء منك...فسر احتفاظى و تمسكي بالطفل هو انه طفلك....فإذا تخليت عن جزء منك الآن, كيف تضمن اني لن اتخلى عنك انت يوما؟؟؟ "و أعماه غضبه الأحمق و بدلا من ان يضمها اليه و يحيطها بحنانه و حبه حتى تضع الطفل, هجرها و تركها وحيده تواجه مصيرها وحدها...و اثناء هذا, اخبرها طبيبها انها ستكون افضل حالا اذا سافرت لمباشرة حالتها بالخارج...و عندما علم بعزمها على السفر ازداد عنادا على عناد...و تركها تغادر دون حتى وداع...
و عاش 6 سنوات كاملة بدونها...6 سنوات و قلبه يبكي كل يوم...و روحه تموت آلاف المرات...
أما هي, فقد علم من الأصدقاء انها و ضعت مولودها بسلام بعد معاناه شديدة...و قد جاء و لدا...و حالته طيبه...و لكنها لن تعود...و لن تسمح له بمعرفه عنوان لها...
ساءت حالته كثيرا...فأهمل عمله...و وهنت صحته...و ازدادا انطواءا...و اصبح يعيش ميتا...فقد هجرها لانه خشى ان يفقدها...ففقدها...و كان لا يتصور ان يعيش يوما بدونها...فعاش سنوات وحيدا تعيسا...سنوات طويله حاول خلالها كثيرا ان يصل اليها...و لكن بلا فائدة...
حتى عادت هي...قالت انها عادت لان من حق الصغير ان يعرف والده...
ورآها...ورآه...طفل رائع يشبهه كثيرا...حاول تعويضه عن سنوات البعد و الغربه...
اما هي, فرفضت مجرد الحديث معه...و لكنه حاول و حاول...كان يعلم انها عادت من اجله هو...عادت لانها افتقدته...عيناها قالت له ذلك...برغم حزنهما العميق...
حتى جاء ذلك اليوم الذى كان فيه اللقاء...لقاءهما من جديد...ذكرها بحبهما الكبير...و بحق الصغير فى الحياه بينهما...قال لها انه لم و لن يحب سواها...ووصف لها معاناته السنين الماضيه...و ضمها اليه و بكى كثيرا و بكت أكثر...و قررا العودة...و كان الطفل أسعد شخص بالقرار فقد ظل يقفز فرحا حولهما...
ثم اكتشفا اصابه قلبها الخطيرة...و احتياجه الى عمليه عاجله...قلبها الرقيق الصافى...قلبها الذى طالما احبه...اعلن تعبه و ارهاقه من عبء الحزن و الأسى...و اليوم هو ميعاد العمليه...
جعله تذكر العمليه يفتح عينيه و ينظر لساعته..." ياااااااه " غمغم بصوت منخفض " لقد مرت ساعات طويلة على جلوسي هنا" نهض و قدماه لا تقوى على حمله...ذهب للممرضة و سألها " من فضلك, عمليه القلب التى بدأت فى الثانية عشر هل أنتهت؟ " نظرت اليه فى شفقة ثم سألته " أنت قريب للمريضة؟ " اجابها قلقا " نعم...انا زوجها " خفضت عيناها قائلة " اذن اذهب للطبيب فقد عاد لمكتبه منذ لحظات...هو سيخبرك بكل شىء " انصرفت مسرعة قبل ان يتمكن من الأستفسار عن شىء...
شعر بقلبه ينقبض...لماذا نظرة الشفقة تلك؟؟؟ و لم لا تطمئنه هي؟؟؟ دارت تلك الأفكار فى رأسه و هو يهرول باحثا عن الطبيب...دلف الى الحجرة و عيناه تبحث عنه فى لهفة قلقه...و جده جالسا خلف مكتبه و قد أخفى وجهه بكفيه و بدت عليه معالم الأرهاق الشديد...كانت هيئته توحي بالقلق حتى إنه عجز عن الكلام للحظات...لحظات بقى صامتا يتطلع للطبيب فى ذهول...لحظات مرت كالدهر...
حتى شعر الطبيب بوجوده فرفع اليه عينان ملآتان بالدموع...شعر بقلبه يسقط بين قدميه...قدميه اللتان لم تقويان على حمله فسقط على المقعد...عينيه المصدومتان كانتا تنطقان بكل الأسئلة التى عجز لسانه عن النطق بها...
نظر اليه الطبيب فى شفقة...ثم تكلم..." قالت انها ستقاتل من اجلك و من اجل الطفل...كانت تعلم جيدا انها لن تنجح و لكنها قاتلت...قلبها لم يتحمل و اعلن رفضه للقتال...انا جد آسف و لكننا حاولنا كثيرا و ...."انهالت الدموع من عينيه فى غزارة و هو لم يعد يستمع للطبيب...
إذن فقد رحلت...أعلن قلبها رغبته فى الراحة و الأكتفاء بمراقبته من بعيد...أغمض عينيه و يد باردة تعتصر قلبه...رحلت من عشقها قلبه...رحلت دون أن يمهله القدر حتى أن يعتذر...أن يعوضها عن الحزن الذى كان السبب فى أن تحياه... رحلت و تركته...داميا...مذهولا...و هاهو شبح الفراق من جديد...و لكنه فراق أبدي...فراق شعر بمرارته فى حلقه...مرارة لا يهونها حلم لقاء...و قد استحال اللقاء...
و لكن مهلا...ألم تترك له طفلهما؟؟؟ ألم تعود خصيصا لتسلمه الروح التى ستظل تربطهما للأبد؟؟؟
إذن فهناك لقاء...عند كل ضمه يضم بها الصغير الى صدره...هناك لقاء...عند كل نظره ينظر بها الى عينيه...هناك لقاء...عند كل عام يكبره...عند كل نجاح يحققه...عند كل ابتسامه ينجح ان يرسمها على شفتيه...هناك لقاء...
دائما هناك لقاء...

fanona
02 Nov 2006, 11:15 PM
:ahmed(1): رااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااااااائع:ahmed(1):