مشاهدة النسخة كاملة : جـدد حيـاتك " محمد الغزالي"


glory
05 Jan 2007, 12:03 PM
مقدمة
أحب أن ألفت الجاهلين بالإسلام والقاصرين في فقهه إلى الخاصة الأولى فى هذا الدين ، وهى أنه دين الفطرة. فتعاليمه المنوعة فى كل شأن من شئون الحياة هى نداء الطبائع السليمة والأفكار الصحيحة ٬ وتوجيهاته المبثوثة فى أصوله متنفس طلق لما تنشده النفوس من كمال ، وتستريح إليه من قرار. وقد شغفت من أمد بعيد ببيان المشابه بين تراث الإسلام المطمور ٬ وبين ما تنتهى إلية جلة المفكرين الأحرار فى أغلب النواحى النفسية والاجتماعية والسياسية ٬ وأحصيت من وجوه الاتفاق ما دل على صدق التطابق بين وحى التجربة ووحى السماء. أجل. فكما تتحد الإجابة السديدة على فم شخصين ألقى إليهما سؤالي واحد ٬ اتحد منطق الطبيعة الإنسانية الصالحة وهى تتحسس طريقها إلى الخير مع منطق الأيات السماوية ٬ وهى تهدى الناس جميعاً إلى صراط مستقيم. ولعل احترامى للإسلام وبقائى عليه يرجعان إلى ما لمسته بيدي من تجاوبه مع المطرة الراشدة ٬ فلو لم يكن دينا من لدن عالم الغيب والشهادة ما وسعنى ولا وسع غيرى أن يخترع أفضل منه فى إقامة صلاته بالله وبالناس. ولك أن تشك فى هذا الزعم وتحسبه تطرف رجل جامد ٬ لكن من حقى أن أضع بين يديك مقارنات شتى لتنظر فيها ثم تحكم بعدها كيف تشاء. وكلمة نظرة تتسع لدلالات متباينة ٬ فقد تختلف طبيعتى وطبيعتك فى الحكم على شىء واحد ٬ تذهب أنت إلى تحسينه ٬ وأذهب إلى تقبيحه ٬ وقد تجنح فيه إلى أقصى اليمين ٬ وأجنح فيه إلى أقصى اليسار.
فهل هناك ضوابط تمنع هذا التناقض الخطير؟. الجواب أن كلمة فطرة إذا أطلقت لا يصح أن يراد بها إلا الفطرة السليمة ٬ فإن كل خلل يلحق الطبيعة لأى سبب لا يجوزأن يحسب منها ٬ ولا أن يحسب عليها. خذ مثلا الجنين.. المفروض أن ينزل من بطن أمه سوى الأعضاء والمشاعر. فلو حدث أن ولد أعمى لعلة فى أحد أبويه. فإن هذا العمى عَرَض غريب على الطبيعة التى يجب أن توجد كاملة. ومن ثم فإن هذا لا يغض من جعل البصر أصلا يقاس عليه ويطرح ما عداه. وما يقال فى عالم الحيوان كذلك فى عالم النبات ٬ فالمفروض أن تجنى الثمار وهى نقية من كل عيب يجيئها من عدو الحشرات والديدان. وعلى الزارع أن يستجيدوا البذور ٬ ويستكملوا الوسائل حتى يحصدوا غراسهم كما شاء الله لها نقاءً وجمالاً.
وكل تشويه يعترض عظمة الفطرة وروعتها فهو شذوذ ينبغى أن يذاد ويباد ٬ لا أن يعترف به ويسكت عليه. والمجتمع الإنسانى يجب أن يسير على هذا الغرار. فأصحاب الصحة النفسية والعقلية ٬ وأصحاب الأمزجة المعتدلة ٬ والطباع المكتملة هم وحدهم الذين يسمع منهم ويؤخذ عنهم. أما المعلولون والمنحرفون ٬ وذوو الأفكار المنحلة والغرائز المنحلة ٬ فهم كالثمار المعطوبة فى عالم النبات أو الأجنة الشائهة فى عالم الحيوان ٬ ليسوا أمثلة لسلامة الفطرة ٬ ولا يجوز أن يطمأن إلى أحكامهم ولا إلى آرائهم ٬ ولو بلغت بهم الجراءة أن يزعموا نداء الطبيعة ومنطق الفطرة!!. إن نبى الإسلام لما قال للسائل عن البر: ` استفت قلبك ` ٬ لم يقدم هذا الجواب هدية لمجرم يستبيح الدماء ويغتال الحقوق. وماأكثر الذين تتسع ضمائرهم للكبائر.!!

إنه ساق هذا الجواب النبيل لرجل يتحرج من الإلمام بصغيرة ٬ رجل سليم الفطرة شفاف الجوهر عاشق للخير ٬ أراد النبى الكريم أن يريحه من عناء التساؤل والاستفتاء ٬ فرده إلى فؤاده يستلهمه الرشد كلما تشابهت أمامه الأمور ٬ ويستريح إلى إجابته وإن أكثر عليه المفتون.. هذا الرجل وأمثاله من أصحاب القلوب الكبيرة هم موازين العالم ٬ ومناراته الهادية.
وعندما تلمح مواريث الأجيال والحضارات المختلفة فى الشرق والغرب ترى أصحاب هذه الفطر الراقية يرسلون الحكمة الغالية والوصاة الثمينة ٬ ويصرفون جهودهم لتقويم الأوضاع إذا اعوجت ٬ وتقليل الأخطاء إذا شاعت. ولعمرى إن الحياة من غير هؤلاء باطل!! وكم كان جديرا بالعالم أن يؤرخ لهم بدل أن يؤرخ للساسة والقادة من سفاكى الدماء ومذلى الشعوب. إلى أصحاب هذه الفطر السليمة من كل جنس ولغة نلفت الأنظار لننتفع بهم. وإلى الدخلاء عليهم من الأدباء المأجورين ٬ والصحافيين المنحرفين ٬ وأصحاب الفنون القوادة إلى الخلاعة والعبث نلفت الأنظار كى نحذر على أنفسنا ومستقبلنا. فقد كثر فى الدنيا من يدعو إلى تعرية الأجسام والأرواح من لباس التقوى والفضيلة باسم أن ذلك عود إلى الطبيعة وتمشّ مع الفطرة!!. والحق أن دَوْر هؤلاء بين الناس هو دَوْر الجراثيم ` الفطرية ` فى إعطاب الثمار
وإمراض الأبدان ٬ أى أنهم خطر على الطبيعة الصحيحة والفطرة السليمة. وإذا شرحنا وظيفة الفطرة السليمة فى تعرف الحق وتعريفه فيجدر بنا أن ننبه إلى أمر آخر ٬ هو أن كثرة البضاعة من نصوص السماء لا تغنى فتيلاً فى نفع صاحبها ٬ أو فى نفع الناس بما عنده إذا كان مُلتاث الطبيعة مريض الفطرة. ما قيمة المنظار المقرب أو المكبِّر لدى امرئ فقد بصره؟.!
إن فقدان البصيرة الواعية اللماحة حجاب طامس دون فهم الحق بله تفهيمه. وآفة الأديان جاءت من أن أكثر رجالها لا يصلحون ابتداءً لإدراك رسالتها ٬ كما لا يصلح المصدور للكر والفر فى ميدان القتال. وقد رأيت رجالاً حظوظهم من تراث النبيين قليل ٬ ومحفوظهم من توجيهات السماء لا يذكر ٬ ومع ذلك فقد كان صفاء فطرتهم هادياً لا يضل فى معرفة الله ٬ وما يجب له ٬ وما يجب على الناس أن يصنعوه كى يحيوا على أرضه أبرارا أتقياء. وصحيح أن هؤلاء لم يؤدوا المراسيم الدينية بالدقة التى نزلت بها ٬ وعذرهم أن فرص الأداء لم تتح لهم؟ لأن رسالات الله لم تعرض عليهم عرضا يغرى بقبولها والدخول فيها. ولعل هؤلاء أحسن حالاً وأرجى مآلاً من أناس مكنوا من هدايات الله تمكينا كاملاً؛ فبدلاً من أن ترتفع بهم هبطوا بها. إن التاريخ سجل هزائم كثيرة للطوائف التى تسمى رجال الدين. وقد أراد بعض الحمقى أن يحول هذه الهزائم إلى نكبة تحيق بالدين نفسه ٬ وهذا ظلم شنيع ٬ فإن انهزام هذه الأمثلة المصطنعة للتدين هو فى حقيقته انتصار للفطرة الإنسانية ٬ للطبيعة المتمردة على الغباء والجمود
والنفاق. إن هذا الانتصار يجب أن يكون تمهيداً لفهم الدين كما جاء من عند الله ٬ لا لنبذه بعد ما لوثته أيدى الباعة التافهين. وللدين صورة منسقة تنتظم فيها الملامح والمشاعر والنسب والأضواء ٬ ولهذه الصورة وضع واحد يبرز فيها ` الرأس ` وهو عال ٬ وتبدو الحواس والأطراف كل فى مكانه العتيد لا يعدوه إلى غيره. وصاحب الفطرة السليمة وحده هو الذى تستقر فى ذهنه صورة الدين على هذا النحو المبين. أما مع اضطراب البصيرة وفساد الذوق فإنك ستجد من يعرض عليك الدين مشوشاً مشوهاً ٬ يتجاور فيه الرأس والقدم ٬ وتنخلع الأطراف والحواس من مكانها لتوضع العين فى اليد بدل مستقرها فى الوجه.!!

إن هذه الفوضى فى فقه النصوص ليست إلا ضرباً من تحريف الكلم عن مواضعه ٬ وهو المرض الذى أفسد الديانتين السابقتين اليهودية والنصرانية. وربما تعجزنا حماية الدين من أصحاب الفطر العليلة ٬ فالحل الوحيد أن يتقدم أصحاب الفطر السليمة ليؤدوا واجبهم. وبهذا الحل تتحقق فائدتان جليلتان: أولاهما: أن ينتفع أولئك الأصفياء بما شرع الله لعباده ٬ فإن العقل مهما سما لن يستغنى عن النقل ٬ كما أن الذكاء لا يستغنى عن قواعد العلوم وفنون المعرفة. وأخراهما: أن تنتفع حقائق الدين بمن يحسن فهمها وعرضها غير مشوبة ولا مضطربة ٬ فإن الفقه فى الدين حكمة لا يؤتاها كل إنسان ٬ فليتعرض لها من لديهم استعداد خاص. والإسلام دين لا تحتكر الكلام فيه والإبانة عنه طائفة معينة ٬ اللهم إلا من تؤهلهم دراساتهم المحترمة وسعتهم الروحية والفكرية لذلك ٬ وقد رضى الأزهر أن يقوم على رياسة
مجلته منذ أنشئت إلى اليوم رجال من هذا النوع الكريم ٬ ولو لم يكونوا من علمائه الرسميين. وحسن التصور لحقائق الدين كما وردت لا بد أن تكون إلى جانبه ضميمة أخرى هى صدق العمل بها. فإن علاج مشكلات الناس وأدوائهم لا يقدر عليه إلأ رجل حل مشكلات نفسه ٬ وداوى عللها بالحقائق الدينية التى يعرضها. وقد تمارى فى ضرورة ذلك وتقول: رب حامل فقه ليس بفقيه.. رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه!! وأقول: إن حملة الأدوية التى ينفعون بها ولا ينتفعون منها موجودون فى الحياة فعلاً. وفى الحياة كذلك أثبت الطب أن هناك من يحمل جراثيم الأمراض ولا يعتل لظروف معقدة فى بدنه ٬ تجعله ينقل العدوى إلى الآخرين ٬ ويبقى هو معافى لا تصرعه العلة التى قد يصرع بها غيره!!. على أن
الأحوال الشاذة التى توجد فيها قصة ` حامل الميكروب ` لا تسوغ وجود الجهال الذين يحملون العلم ٬ والسفهاء الذين ينقلون الرشد.
وقد ندد القرآن أشد التنديد بهذه الدواب الناقلة فقال: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين . والحق أن المثل العليا لا يضيرها شىء كأن يكون نقلتها أول الناس خروجاً عليها. إن هذا وحده مطعن يكفى للصد عنها واهدار الثقة بها. وفى أيامنا هذه تحولت وثيقة حقوق الإنسان التى وضعتها المحافل الدولية إلى خرافة تحوطها السخرية والزراية ٬ لأن الدول التى صدقت عليها مزقتها شر ممزق!! لا ٬ بل إنها لم تتناولها لتمزقها ٬ لقد أنِفَتْ أن تمد اليد لتناولها فتركتها تسقط تحت الأقدام ٬ لتلقى مصيرها فى الرغام. إن الإنسان بفطرته
قد يعرف الحقيقة ٬ فالحلال بين ٬ والحرام بين. بيد أن هذه المعرفة لا قيمة لها إن لم نحل الحلال ٬ ونحرم الحرام ٬ وإن لم تقفنا الحدود الفاصلة بين الفضيلة والرذيلة والعدالة والعدوان.
وحملة الفقه الذين لا فقه لهم قد يدلوننا علي الحقيقة ٬ إلا أنهم لا يستطيعون الأخذ بأيدينا إليها ٬ بل إن جملة الحقائق التى يدلوننا عليها محصورة فى نطاق ضيق جدا. فإن تفاصيل الخير وأساليب الانطباع به والمران عليه لا يحسن تصورها ولا تصويرها إلا رجال لهم فى تربية أنفسهم باع طويل أو قصير ٬ وجهد فاشل أو ناجح. أما النقلة الذين يقومون بدور عربات البضاعة أو دواب الحمل فهم منفيون ابتداء من ميادين التهذيب والتأديب . إن كتلاً كثيفة من البشر لا تزال بعيدة عن الإسلام ٬ لأنها تجهل تعاليمه جهلاً مطبقاً ٬ ومن ثم فهى لا تطلب إليه سبيلاً ولا تلتمس منه نورا. والإسلام هو الفطرة التى جاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يجلو صفحتها ٬ ويظهر رواءها ٬ ويعود بالبشر إليها بعد أن اجتالتهمالشياطين عنها.

ومحمد بن عبد الله بهذا المنهج الزكى يؤيد موسى الذى كفر به اليهود ٬ ويؤيد عيسى الذى ألحد فى تعاليمه النصارى. ويؤيد كل رجل هجر الخرافات والأوهام ٬ وقرر أن يسير إلى الله على ضوء من الإيمان الواضح والعمل الصالح. وللفطرة فى بلاد الإسلام كتاب يتلى ودروس تلقى وشعوب هاجعة!!. ولها فى بلاد أخرى رجال ينقبون عن هداياتها كما ينقب المعدنون عن الذهب فى أعماق الصحارى ٬ فإذا ظفروا بشىء منه أغلوا قدره واستفادوا منه. وصدق من قال: `الناس رجلان: رجل نام فى النور ٬ ورجل استيقظ فى الظلام!! `. ونتاج الفطرة الإنسانية فى البلاد المحرومة من أشعة القرآن الكريم نتاج واسع الدائرة متفاوت القيمة.
وليس يصعب على من له أثارة من علم بالإسلام الحنيف أن يرى المشابه بين الدلالة الصامتة هناك ٬ والدلالة الناطقة هنا. أو بين العنوان المفصول عن موضوعه هنا ٬ والموضوع الذى فقد عنوانه هناك!!. إن الانحطاط الفكرى فى البلاد المحسوبة على الإسلام يثير اللوعة. واليقظة العقلية فى الأقطار الأخرى تثير الدهشة. ولا يحملنا على العزاء إلا أن هذه اليقظة صدى الفطرة التى جاء الإسلام يعلى شأنها ٬ أما تخلف المسلمين فسببه الأول تنكرهم لهذه الفطرة السليمة وتخاذلهم عن السير معها. وفى هذا الكتاب مقارنة بين تعاليم الإسلام كما وصلت إلينا ٬ وبين أصدق وأنظف ما وصلت إليه حضارة الغرب فى أدب النفس والسلوك. وسيرى القارئ من روعة التقارب بل من صدق التطابق ما يبعثه على الإعجاب
الشديد. لقد قرأت كتاب ` دع القلق وابد أ الحياة ` للعلامة `ديل كارنيجى` الذى عربه الأستاذ عبد المنعم الزيادى ٬ فعزمت فور انتهائى منه أن أرد الكتاب إلى أصوله الإسلامية`!!. لا لأن الكاتب الذكى نقل شيئاً عن ديننا ٬ بل لأن الخلاصات التى أثبتها بعد استقراء جيد لأقوال الفلاسفة والمربين وأحوال الخاصة والعامة تتفق من وجوه لا حصر لها مع الآيات الثابتة فى قرآننا والأحاديث المأثورة عن نبينا.

إن المؤلف لا يعرف الإسلام ولو عرفه لنقل منه دلائل تشهد للحقائق التى قررها أضعاف ما نقل من أى مصدر آخر . إن الفطرة السليمة سجلت وصاياها فى هذا الكتاب بعد تجارب واختبارات ٬ وما انتهت من تسجيله جاء صورة أخرى للحكم التى جرت على لسان النبى العربى الكريم محمد بن عبد الله منذ قرون. وبذلك اتفق وحى التجربة ووحى السماء.
وسيرى القارئ مدى الصحة أو الوهم فى هذا القول الذى نقول. وخطتى فى هذا الكتاب أن أعرض الإسلام نفسه فى حشدين متمايزين: الأول من نصوصه نفسها ٬ والآخر من النقول التى تظاهرها فى كتابات وتجارب وشواهد الأستاذ الأمريكى ` ديل كارنيجى `. فكأن المقارنة العلمية تجىء عرضاً ٬ أو فى المرتبة التالية. وذلك ما قصدته ٬ وتعمدته. فأنا قبل كل شىء كاتب مسلم ٬ آمنت بهذا الدين عن دراسة مجردة لأصوله ٬ وأعرف أن حاجة العالم إليه غير متوقفة على شواهد تجيئه من هنا ومن هناك ٬ طبيعة كانت أو متكلفة. ثم إن جهلى باللغات الأجنبية يجعلنى مقيداً بما ينقله المترجمون لى عن اللغات التى يتقنونها. ومن يدرى؟ لعل فى غيرها من آثار الفطرة السليمة ما يستحق التنويه والإشادة!! فلا مكان إذاً للمقارنة بين دين الله ٬ وبين جهود فرد بعينه أو مدرسة بأسرها ٬ إلا أن تساق هذه الجهود المشكورة على أنها أمثلة فحسب للقواعد التى سبق الإسلام إلى تمهيدها ٬ وذكر أن وقائع الحياة ستؤكدها على حد قوله جل شأنه: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق وأمر ثان أشير إليه: إن مشاعر التعصب لجنس من الأجناس ماتت فى دمى لأنى مسلم ٬ غير أن التحمس للعروبة وأدبها غلبنى فى هذه الآونة ٬ إذ أحسست كأن التضحية بالعرب ولغتهم بعض ما تكنه السياسة الدولية فى ضميرها الملوث؟ وبعض ماتسخر له أتباعها وأذنابها فى ربوع بلاد الإسلام.
ودوافع هذا اللدد لا تخفى ٬ ومن آثاره أن كتاباً معروفين ومعروفة الجهات التى يعملون لها يريدون قطعنا عن تراثنا الفكرى والعاطفى ٬ بل عن الحروف التى نكتب بها لغتنا. وقد اصطنع هؤلاء لوناً من الأدب الصحفى التافه فقيراً كل الفقر من المعانى الحية . لذلك حرصت فى كتابى على إحياء الحكمة العربية الأولى ٬ وإمتاع القراء بطرف منها فى سياق المعارف الدينية والعلمية التى يجدونها . وإذا كان ` ديل كارنيجى ` يحيا بقرائه فى جو أمريكى بحت ٬ فمن واجبى أن أعيش مع قرائى فى جو عربى خالص ٬ لا أتركه إلا للمقارنات الإنسانية الأخرى ٬ وهى مقارنات لا صلة لها بجنس معين ... وأمر أخير: إن تبديد الغيوم الاجتماعية المخيمة فى كثير من أقطارنا العربية واجب لا محيص عن القيام به ٬ ولا أستطيع التخلى عنه تقيداً ببحث محدود ٬ فلا يستغربن أحد أن أخوض فى مشكلات شخصية وعلل
خلقية ٬ ولا أن أستطرد بذكر حوادث وشواهد مختلفة تمسنى من قرب أو بعد. إننى لا أكتب إشباعاً لترف علمى قدر ما أكتب إصلاحاً لأغلاط شائعة وأوضاع جائرة . وأعرف أن من أحزاب الميمنة وأحزاب الميسرة من يكره هذه الكتابات ويتمنى الشر لصحابها ٬ وقد أردد وأنا ضاحك قول العقاد : وكذا العهد بمشبوب القلى عارم الفطنة جياش الفؤاد
أبدا يهتف بالقول فلايُعجب الغى ولا يرضى الرشاد
لكننى أستدرك فأقول: إن ما لا يعجب الغى يجب أن يرتضيه
الراشدون. وإذا استوحشت من صنوف الناس فإلى رب الناس المفزع: رب هب لي حكما
وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم “
محمد الغزالى

glory
05 Jan 2007, 12:06 PM
جدد حياتك
كثيرا ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة فى حياته ٬ ولكنه يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة ٬ كتحسن فى حالته ٬ أو تحول فى مكانته. وقد يقرنها بموسم معين ٬ أو مناسبة خاصة كعيد ميلاد ٬ أو غرة عام مثلا. وهو فى هذا التسويف يشعر بأن رافدا من روافد القوة المرموقة قد يجئ مع هذا الموعد ٬ فينشطه بعد خمول ويُمَنِّية بعد إياس . وهذا وهم. فإن تجدد الحياة ينبع قبل كل شىء من داخل النفس. والرجل المقبل على الدنيا بعزيمة وبصر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت ٬ ولا تصرفه وفق هواها. إنه هو الذى يستفيد منها ٬ ويحتفظ بخصائصه أمامها ٬ كبذور الأزهار التى تُطمر تحت أكوام السبخ ٬ ثم هى تشق الطريق إلى أعلى مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة!! ٬ لقد حولت الحمأ المسنون والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح... كذلك الإنسان إذا ملك نفسه وملك وقته ٬ واحتفظ بحرية الحركة لقاء ما يواجه من شئون كريهة ٬ إنه يقدر على فعل الكثير دون انتظار أمداد خارجية تساعده على ما يريد . إنه بقواه الكامنة ٬ وملكاته المدفونة فيه ٬ والفرص المحدودة ٬ أو التافهة المتاحة له يستطيع أن يبنى حياته من جديد . لا مكان لتريث ٬ إن الزمن قد يفد بعون يشد به أعصاب السائرين فى طريق الحق ٬ أما أن يهب المقعد طاقة على الخطو أو الجرى فذاك مستحيل . لا تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب ٬ فإن هذا الإرجاء لن يعود عليك بخير. الحاضر القريب الماثل بين يديك ٬ ونفسك هذه التى بين جنبيك ٬ والظروف الباسمة أو الكالحة التى تلتف حواليك ٬ هى وحدها الدعائم التى يتمخض عنها مستقبلك. فلا مكان لإبطاء أو انتظار ٬ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ` إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ٬ ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل ` . ثم إن كل تأخير لإنفاذ منهاج تجدد به حياتك ٬ وتصلح به أعمالك لا يعنى إلا إطالة الفترة الكابية التى تبغى الخلاص منها ٬ وبقاءك مهزوماً أمام نوازع الهوى والتفريط. بل قد يكون ذلك طريقاً إلى انحدار أشد ٬ وهنا الطامة. وفى ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ` النادم ينتظر من الله الرحمة. والمعجب ينتظر المقت. واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله ٬ ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله ٬ وإنما الأعمال بخواتيمها. والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة. واحذروا التسويف فإن الموت يأتى بغتة. ولا يغترن أحد كم بحلم الله عز وجل ٬ فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله. ثم قرأ:
“فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره “ ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين ٬ وأن يرسل نظرات ناقدة فى جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها ٬ وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلص من هذه الهنات التى تزرى به. فى كل بضعة أيام أنظر إلى أدراج مكتبى لأذهب الفوضى التى حلت به من قصاصات متناثرة ٬ وسجلات مبعثرة ٬ وأوراق أدت الغرض منها. يجب أن أرتب كل شىء فى وضعه الصحيح ٬ وأن يستقر فى سلة المهملات ما لا معنى للاحتفاظ به. وفى البيت ٬ إن غرفه وصالاته تصبح مشعثة مرتبكة عقب أعمال يوم كامل. فإذا الأيدى الدائبة تجول هنا وهناك لتنظف الأثاث المغبر ٬ وتطرد القمامة الزائدة ٬ وتعيد إلى كل شىء رواءه ونظامه.
ألا تستحق حياة الإنسان مثل هذا الجهد؟. ألا تستحق نفسك أن تتعهد شئونها بين الحين والحين لترى ما عراها من اضطراب فتزيله ٬ وما لحقها من إثم فتنفيه عنها مثلما تنقى القمامة عن الساحات الطهور؟!. ألا تستحق النفس بعد كل مرحلة تقطعها من الحياة أن نعيد النظر فيما أصابها من غنم أو غرم؟ وأن ترجع إليها توازنها واعتدالها كلما رجتها الأزمات ٬ وهزها العراك الدائب على ظهر الأرض فى تلك الدنيا المائجة؟.. إن الإنسان أحوج الخلائق إلى التنقيب فى أرجاء نفسه وتعهد حياته الخاصة والعامة بما يصونها من العلل والتفكك.
ذلك أن الكيان العاطفى والعقلى للإنسان قلما يبقى متماسك اللبنات مع حدة الاحتكاك بصنوف الشهوات وضروب المغريات... فإذا تُرك لعوامل الهدم تنال منه فهى آتية عليه لا محالة ٬ وعندئذ تنفرط المشاعر العاطفية والعقلية كما تنفرط حبات العقد إذا انقطع سلكه... وهذا شأن “من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا “ كما يقول الله عز وجل.
وكلمة ` فُرُط ` هذه ينبغى أن نتأمل فيها. فالعامة عندنا يسمون حبات العنب الساقطة من عنقودها أو حبات البلح الساقطة من عُرْجونها `فرطا` . وانتزاع حبات الذرة من كيزانها المتراصة تمهيدا لطحنها تشتق تسميته من المادة نفسها. والنفس الإنسانية إذا تقطعت أواصرها ٬ ولم يربطها نظام يُنسِّق شئونها ويركز قواها؛ أصبحت مشاعرها وأفكارها كهذه الحبات المنفرطة السائبة لا خير فيها ولا حركة لها. ومن ثم نرى ضرورة العمل الدائم لتنظيم النفس وإحكام الرقابة عليها. والله عز وجل يهيب بالبشر قبيل كل صباح أن يجددوا حياتهم مع كل نهار مقبل. فبعد أن يستريح الأنام من عناء الأمس الذاهب ٬ وعندما يتحركون فى فرشهم ليواجهوا مع تحرك الفلك يومهم الجديد.
فى هذه الآونة الفاصلة تستطيع أن تسأل: كم تعثر العالم فى سيره؟. كم مال مع الأثرة؟. كم اقترف من دنية؟. كم أضلته حيرته فبات محتاجا إلى المحبة والحنان؟. فى هذه اللحظة يستطيع كل امرئ أن يجدد حياته ٬ وأن يعيد بناء نفسه على أشعة من الأمل والتوفيق واليقظة . إن صوت الحق يهتف فى كل مكان ليهتدى الحائرون ويتجدد البالون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ` إذا مضى شطر الليل ٬ أو ثلثاه ٬ ينزل الله تبارك وتعالي إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟. هل من داع فيستجاب له؟. هل من مستغفر فيُغفر له؟.. حتى ينفجر الفجر` . وفى رواية: ` أقرب ما يكون العبد من الرب فى جوف الليل ` . فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله فى تلك الساعة فكن. إنها لحظة إدبار الليل وإقبال النهار ٬ وعلى أطلال الماضى القريب أو البعيد يمكنك أن تنهض لتبنى مستقبلك. ولا تؤودنك كثرة الخطايا ٬ فلو كانت ركاما أسود كزبد البحر ما بالى الله عز وجل بالتعفية عليها إن أنت اتجهت إليه قصدا وانطلقت إليه ركضا. إن الكنود القديم لا يجوز أن يكون عائقاً أمام أوبة صادقة ٬ “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له” . وفى حديث قدسى عن
الله عز وجل: “يا ابن آدم ٬ إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى. يا
ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالى. يا ابن آدم لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة. “
وهذا الحديث وأمثاله جرعة تحيى الأمل فى الإرادة المخدرة ٬ وتنهض العزيمة الغافية وهى خجلى لتستأنف السير إلى الله ٬ ولتجدد حياتها بعد ماض ملتو مستكين!. لا أدرى لماذا لا يطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق بدل أن يساقوا إليه بسياط من الرهبة؟ إن الجهل بالله وبدينه هو علة هذا الشعور البارد ٬ أو هذا الشعور النافر – بالتعبير الصحيح مع أن البشر لن يجدوا أبر بهم ولا أحنى عليهم من الله عز وجل . وبره وحنوه غير مشوبين بغرض ما ٬ بل هما من آثار كماله الأعلى وذاته المنزهة. وقصة الإنسان تشير إلى أن الله خلقه ليكرمه لا ليهينه ٬ وليسوده فى العالمين ٬ لا ليؤخر منزلته أو يضع مقداره : “ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم “ . ووظيفة الدين بين الناس أن يضبط مسالكهم وعلائقهم على أسس من الحق والقسط حتى يحيوا فى هذه الدنيا حياة لا جور فيها ولا جهل.. فالدين للإنسان كالغذاء لبدنه ضرورة لوجوده ومتعة لحواسه. والله عز وجل بشريعته مع الوالد ضد عقوق الولد ٬ ومع المظلوم ضد سطوة الظالم ٬ ومع أى امرئ ضد أن يصاب فى عرضه أو ماله أو دمه. فهل هذه التعاليم قسوة على البشر ونكال بهم؟! أليست محض الرحمة والخير؟!. وإذا كلف الله أبناء آدم بعد ذلك ببعض العبادات اليسيرة ٬ ليحمدوا فيها آلاءه ويذكروا له حقه ٬ فهل هذه العبادات المفروضة هى التى يتألم الناس من أدائها ٬ ويتبرمون من إيجابها؟!. الحق أن الله لم يرد للناس قاطبة إلا اليسر والسماحة والكرامة ٬ ولكن الناس أتوا أن يستجيبوا لله وأن يسيروا وفق ما رسم لهم ٬ فزاغت بهم الأهواء فى كل فج ٬ وطفحت الأقطار بتظالمهم وتناكرهم . ومع هذا الضلال الذى خبطوا فيه فإن منادى الإيمان يهتف بهم أن عودوا إلى بارئكم. إن فرحته بعودتكم إليه فوق كل وصف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ` `لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل فى أرض دوية مهلكة ٬ معه راحلته ٬ عليها طعامه وشرابُه ٬ فوضع رأسه فنام نومة ٬ فاستيقظ وقد ذهبت راحلته!! فطلبها ٬ حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش ٬ أو ما شاء الله ٬ قال: أرجع إلى مكانى الذى كنت فيه فأنام حتى أموت... فوضع رأسه على ساعده ليموت ٬ فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه ٬ فالله أشد فرحا بتوبة المؤمن من هذا براحلته ` . ألا يبهرك هذا الترحاب الغامر. أترى سرورا يعدل هذه البهجة الخالصة؟. إن أنبل الناس عرقاُ وأطهرهم نفساً قلما يجد فؤاداً يتلهف على لقائه بمثل هذا الحنين. فكيف بخطاء أسرف على نفسه وأساء إلى غيره؟. إنه لو وجد استقبالا يستر عليه ما مضى لكان بحسبه ذلك الأمان المبذول! ليستريح ويشكر. أما أن يفاجأ بهذه الفرحة ٬ وذلك الاستبشار ٬ فذاك ما يثير الدهشة. لكن الله أبر بالناس وأسر بأوبة العائدين إليه مما يظن القاصرون!!. وطبيعى أن تكون هذه التوبة نقلة كاملة من حياة إلى حياة ٬ وفاصلاً قائما بين عهدين متمايزين ٬ كما يفصل الصبح بين الظلام والضياء. فليست هذه العودة زورة خاطفة يرتد المرء بعدها إلى ما ألف من فوضى وإسفاف. وليست محاولة فاشلة ينقصها صدق العزم وقوة التحمل وطول الجلد ٬ كلا.. كلا. إن هذه العودة الظافرة التى يفرح الله بها هى انتصار الإنسان على أسباب الضعف والخمول ٬ وسحقه لجراثيم الوضاعة والمعصية ٬ وانطلاقه من قيود الهوى والجحود ٬ ثم استقراره فى مرحلة أخرى من الإيمان والإحسان ٬ والنضج والاهتداء. هذه هى العودة التى يقول الله فى صاحبها : “وإني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى” . إنها حياة تجددت بعد بلى ٬ ونُقلة حاسمة غيرت معالم
النفس ٬ كما تتغير الأرض الموات بعد مقادير هائلة من المياه والمخصبات . إن تجديد الحياة لا يعنى إدخال بعض الأعمال الصالحة ٬ أو النيات الحسنة وسط جملة ضخمة من العادات الذميمة والأخلاق السيئة ٬ فهذا الخلط لا ينشئ به المرء مستقبلا حميدا ٬ ولا مسلكا مجيدا. بل إنه لا يدل على كمال أو قبول ٬ فإن القلوب المتحجرة قد ترشح بالخير ٬ والأصابع الكزة قد تتحرك بالعطاء.

والله عز وجل يصف بعض المطرودين من ساحته فيقول : “أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا و أكدى “ . ويقول فى المكذبين بكتابه : “وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن
قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين “ . فالأشرار قد تمر بضمائرهم فترات صحو قليل ثم تعود عد ذلك إلى سباتها . ولا يسمى ذلك اهتداء ٬ إن الاهتداء هو الطور الأخير للتوبة النصوح . إن البعد عن الله لن يثمر إلا علقما ٬ ومواهب الذكاء والقوة والجمال والمعرفة تتحول كلها إلى نقم ومصائب عندما تعرى عن توفيق الله وتحرم من بركته . ولذلك يخوف الله الناس عقبى هذا الاستيحاش منه ٬ والذهول عنه . قد تكون سائراً فى طريقك فتقبل عليك سيارة تنهب الأرض نهبا وتشعر كأنها موشكة على حطم بدنك وإتلاف حياتك ٬ فلا ترى بداً من التماس النجاة وسرعة الهرب... إن الله يريد إشعار عباده تعرضهم لمثل هذه المعاطب والحتوف إذا هم صدفوا عنه ٬ ويوصيهم أن يلتمسوا النجاة على عجل عنده وحده: “ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين”. وهى عودة تتطلب كما رأيت أن يجدد الإنسان نفسه ٬ وأن يعيد تنظيم حياته ٬ وأن يستأنف مع ربه علاقة أفضل ٬ وعملاً أكمل ٬ وعهدا يجرى على فمه هذا الدعاء: `اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت ٬ خلقتنى وأنا عبدك ٬ وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ٬ أعوذ بك من شر ما صنعت ٬ أبوء لك بنعمتك على ٬ وأبوء بذنبى ٬ فاغفر لى ٬ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت

glory
05 Jan 2007, 12:08 PM
عش فى حدود يومك
من أخطاء الإنسان أن ينوء فى حاضره بأعباء مستقبله الطويل. والمرء حين يؤمل ينطلق تفكيره فى خط لا نهاية له ٬ وما أسرع الوساوس والأوهام إلى اعتراض هذا التفكير المرسل ٬ ثم إلى تحويله هموما جاثمة ٬ وهواجس مقبضة. لماذا تخامرك الريبة ويخالجك القلق؟! عش فى حدود يومك فذاك أجدر بك ٬ وأصلح لك. ولقد ساق ` ديل كارنيجى ` عددا من التجارب التى خاضها رجال ناجحون ٬ رجال لم يتعلقوا بالغد المرتقب ٬ بل انغمسوا إلى الأذقان فى حاضرهم وحده يواجهون مطالبه ويعالجون مشكلاته ٬ فأمنوا بهذا المسلك الراشد يومهم وغدهم جميعا ٬ ثم أهدوا لنا خلاصات تجاربهم فى هذه الكلمات: (( ليس لنا أن نتطلع إلى هدف يلوح لنا باهتا من بعد ٬ وإنما علينا أن ننجز ما بين أيدينا من عمل واضح بيِّن”)) . وهى نصيحة للأديب الإنجليزى ` توماس كارليل ` . ويزيد عليها دكتور `أوسلر ` فيأمر طلبته فى جامعة ` ييل ` أن يبدأوا يومهم بالدعاء المأثور عن السيد المسيح: ` خبزنا كفافنا أعطنا اليوم `. وذكرهم بأن هذا الدعاء كان من أجل خبز اليوم فحسب . إنه لم يحزن على الخبز الردىء الذى حصل عليه أمس ٬ ولم يصح: يا إلهى لقد عم الجفاف ٬ ونخشى ألا نجد القوت فى الخريف القادم!!. أو ترى كيف أطعم نفسى وأولادى لو فقدت وظيفتى؟!. إنه لم يرتبك مقدماً لهذه الدواهى المتوقعة ٬ إنه يطلب خبز اليوم وحده ٬ لأن خبز اليوم وحده هو الذى يمكنك أن تأكله فى ذلك اليوم.. والعيش فى حدود اليوم وفق هذه الوصايا يتسق مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم : `من أصبح آمنا فى سربه ٬ معافى فى بدنه ٬ عنده قوت يومه ٬ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ` . إنك تملك العالم كله يوم تجمع هذه العناصر كلها فى يديك فاحذر أن تحقرها .
إن الأمان والعافية وكفاية يوم واحد قوى تتيح للعقل النير أن يفكر فى هدوء واستقامة تفكيرا قد يغير به مجرى التاريخ كله ٬ بله حياة فرد واحد . إن هذه النعم الميسرة ضمان كبير لصاحبها كى يقطع من الزمن فترة كاملة الإنتاج ٬ مطردة السير ٬ مُراحة من العوائق والمثبطات.. والحق أن استعجال الضوائق التى لم يحن موعدها حمق كبير ٬ وغالبا ما يكون ذلك تجسيدا لأوهام خلقها التشاؤم ٬ ولو كان المرء مصيبا فيما يتوقع فإن إفساد الحاضر بشؤون المستقبل خطأ صرف ٬ والواجب أن يستفتح الإنسان يومه وكأن اليوم عالم مستقل بما يحويه من زمان ومكان. كان الخليل إبراهيم عليه السلام إذا طلع عليه الصباح يدعو: `
اللهم هذا خلق جديد فافتحه على بطاعتك ٬ واختمه لى بمغفرتك ورضوانك ٬ وارزقنى فيه
حسنة تقبلها منى وزكها وضعِّفها لى ٬ وما عملت من سيئة فاغفره لى ٬ إنك غفور رحيم ودود كريم ` . وكان يقول: ` من دعا بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدى شكر يومه `. وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلفتنا إلى صحة هذه الطريقة فى تجزئة الحياة ٬ واستقبال كل جزء منها بنفس محتشدة وعزم جديد . فهو إذا أصبح يقول: ` أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ٬ لا شريك له ٬ لا إله إلا هو وإليه النشور ` وإذا أمسى قال مثل ذلك ٬ وقد يدعو: ` اللهم إنى أصبحت منك فى نعمة وعافية وستر ٬ فأتمم نعمتك على وعافيتك وسترك فى الدنيا والآخرة` . وإذا أمسى دعا بمثل ذلك . وبعض الناس يستهين بما أولاه الله من سلامة وطمأنينة فى نفسه وأهله ٬ وقد يزدرى هذه الآلاء العظيمة ٬ ويضخم آثار الحرمان من حظوظ الثروة والتمكين. وهذه الاستهانة غمط للواقع ومتلفة للدين والدنيا. روى أن رجلا سأل عبد الله بن عمرو بن العاص : ألست من فقراء المهاجرين؟. فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوى إليها؟. قال : نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟. قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء.. قال: فإن لى خادما. قال فأنت من الملوك .. إن الاكتفاء الذاتى ٬ وحسن استغلال ما فى اليد ٬ ونبذ الاتكال على المنى هى نواة العظمة النفسية وسر الانتصار على الظروف المعنتة. والذين لا يشكون الحرمان لأنهم أوتوا الكثير قلما ينتفعون بما أوتوا إذا هم فقدوا الطاقة النفسية على استغلال ما معهم والإفادة مما حولهم. هذه حقيقة يؤكدها النبى الكريم مطلع كل صباح فيقول : ` ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس ٬ هلموا إلى ربكم ٬ فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا غربت شمس قط ٬ إلا وبعث بجنبيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفاً وعجل لممسك تلفاً ` . آخر هذا الحديث وعد للكرام بالعوض ٬ ووعيد للبخلاء بالمقت . وأوله مقارنة قد تحسب تفضيلا للقلة على الكثرة. والحقيقة أنها تفضيل للقلة الكافية على الكثرة الملهية. أما الكثرة التى تغنى صاحبها ثم يبقى فيها فضل يسع الحاجات ويسد الحقوق فإنها بمنزلة أسنى من القلة المحصورة. ولم يتعرض لها الحديث هنا ٬ كل ما عنى به هذا الأثر النبوى تحريض المؤمنين على الكرم ٬ والجراءة فى البذل ٬ دون خشية من إملاق ٬ أو تبرم بكفاف. وهذا الفقه فى معالجة الحياة يورث المؤمنين شجاعة هائلة. واسمع قول ` أبى حازم `: “إنما بينى وبين الملوك يوم واحد!!. أما أمس فلا يجدون لذته. وأنا وهم من غد على وجل. وإنما هو اليوم. فما عسى أن يكون اليوم؟.!”
هذا الفقير الصالح يتحدى الملوك. إن لذائذ الماضى تفنى مع أمس الذاهب ٬ ما يستطيع أحد إمساك بعضها. والغد فى ضمير الغيب يستوى السادة والصعاليك ٬ فى ترقبه. فلم يبق إلا اليوم الذى يعيش العقلاء فى حدوده وحدها. وفى نطاق اليوم يتحول إلى ملك من يملك نفسه ويبصر قصده. فما وجه الهوان؟ ٬ وما مكان التفاوت؟!. على أن العيش فى حدود اليوم لا يعنى تجاهل المستقبل ٬ أو ترك الإعداد له ٬ فإن اهتمام المرء بغده وتفكيره فيه حصافة وعقل . وهناك فارق بين الاهتمام بالمستقبل والاغتمام به ٬ بين الاستعداد له والاستغراق فيه ٬ بين التيقظ فى استغلال اليوم الحاضر وبين التوجس المربك المحير مما قد يفد به الغد . إن الدين فى حظره للإسراف وحبه للاقتصاد إنما يؤمن الإنسان على مستقبله ٬ بالأخذ من صحته لمرضه ٬ ومن شبابه لهرمه ٬ ومن سلمه لحربه. كان سفيان الثورى من كبار التابعين ٬ وكانت له ثروة حسنة ٬ وكان يشير إليها ويقول لولده : لولا هذه لتمندل بنا هؤلاء يقصد بنى أمية . يعنى أن غناه حماه من حكام زمنه ٬ فلم يحتج إلى مداهنتهم أو تملقهم . والواقع أن ذلك مسلك يعين على بلوغه إحسان العيش فى حدود اليوم ٬ فإن الحاضر المكين أساس جيد لمستقبل ناجح ٬ ومن ثم يجب نبذ القلق . قال الشاعر:
سهرت أعين ونامت عيون فى شؤون تكون أو لا تكون
إن ربا كفاك بالأمس ما كان سيكفيك فى غد ما يكون
أتدرى كيف يسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه فى ارتقاب غده ٬ ولا يزال كذلك حتى ينقضى أجله ٬ ويده صفر من أى خير.
` ستيفن ليكوك ` يقول: “ما أعجب الحياة!! يقول الطفل: عندما أشب فأصبح غلاما. ويقول الغلام: عندما أترعرع فأصبح شابا. ويقول الشاب: عندما أتزوج. فإذا تزوج قال: عندما أصبح رجلاً متفرغاً. فإذا جاءته الشيخوخة تطلع إلى المرحلة التى قطعها من عمره ٬ فإذا هى تلوح وكأن ريحاً باردة اكتسحتها اكتساحا.. إننا نتعلم بعد فوات الأوان أن قيمة الحياة فى أن نحياها ٬ نحيا كل يوم منها وكل ساعة”. فى هؤلاء الذين ضيعوا أعمارهم سدى ٬ وتركوا الأيام تفلت من أيديهم لقى ٬ يقول الله تعالى: “وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ “ ويقول: “كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها”

glory
05 Jan 2007, 12:11 PM
الثبات والأناة والاحتيال

إذا دهمتك شدة تخاف منها على كيانك كله ٬ فما عساك تصنع؟. تدع الروع ينهب فؤادك ٬ والعواصف الجائحة ترمى بك فى مكان سحيق؟! أم تقف مطمئنا ٬ وتحاول أن تتلمس بين هذه الضوائق مأمنا يهديك إليه الفكر الصائب؟. يقول ` ديل كارنيجى : ـ
1 ـ سل نفسك: ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لى؟.
2 ثم هيئ نفسك لقبول أسوأ الاحتمالات
. 3 ثم اشرع فى إنقاذ ما يمكن إنقاذه
. وهذه خطة يوصى العقل والدين معا باتباعها. وفى أدب العرب ذخائر لا تحصى من شجاعة الرجال فى استقبال المحن ٬ ومن حرصهم على الخروج منها مخرجا لا يخدش المروءة ولا الشرف . ولا بأس أن نذكر هنا أبيات ثابت بن زهير الملقب ` تأبط شرا
` : إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذى ليس نازلا به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فذاك قريعُ الدهر ما عاش حول إذا سُد منه منخر جاس منخر
`وتأبط شرا ` فى هذه النصائح يشرح ما قاله المهندس الأمريكى `ويليس كاريير`: “ إن شر آثار القلق تبديده القدرة على التركيز الذهنى ٬ فنحن عندما نقلق تتشتت أفكارنا ٬ ونعجز عن حسم المشكلات واتخاذ قرار فيها ٬ ولو أننا قسرنا أنفسنا على مواجهة أسوأ الاحتمالات ٬ وأعددناها لتحمل أى النتائج لاستطعنا النفاذ إلى صميم الواقع ٬ ولأحسنا الخلاص منه. “ ولا شك أن الرجل الذى يضبط أعصابه أمام الأزمات ٬ ويملك إدارة البصر فيما حوله هو الذى يظفر فى النهاية بجميل العاقبة . وتأمل فى قول قطرى:
أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحك لن تراعى
فإنك لو طلبت بقاء يوم على لأجل الذى لك لن تطاعى
وقول الآخر:
أقول لها وقد جشأت وجاشت مكانك تُحمدى أو تستريحى
إن هذه الأبيات تصوير حسن لموقف الرجولة من النوازل العصيبة . ماذا يجديك أن تفقد رشدك إذا هددتك أو دهمتكأزمة؟. هذا الشاعر عندما أحس المنايا تقترب منه أعمل فكره بقوة: أيسلم سيقانه للريح طلبا للنجاة؟. كلا. إن الفرار لن يرجئ أجلاً حان ٬ إنه لن يجلب إلا المعرة ٬ فليبق إذن فى مكانه ٬ فالبقاءإن قتل أروح للنفس ٬ وإن عاش أدعى للحمد . وعندما يبقى الفكر يقظاً على هبوب الأخطار ٬ وعندما يظل المرء رابط الجأش يقلب وجوه الرأى ابتغاء مخلص مما عراه ٬ فإن النجاح لن يخطئه . ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ` إنما الصبر عند الصدمة الأولى `. وقد يتوقع الإنسان بعض النوازل المخوفة ٬ ويستبد به القلق فى انتشارها ٬ وكأنما هى الموت أو أشد . وربما لم يهنأ له طعام ولا ارتسم على فمه ابتسام من تفكيره المشدود إلى ما يتوقع. والناس من خوف الفقر فى فقر ٬ ومن خوف الذل فى ذل
!!. وهذا خطأ بالغ. فالمؤمن الراشد يفترض أن أسوأ ما يقلقه قد وقع بالفعل ٬ ثم ينتزع مما يتبقى له بعد هذا الافتراض عناصر حياة تكفى ٬ أو معانى عزاء تشفى ٬ على نحو ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ` لتعز المسلمين فى مصائبهم المصيبة فى ٬ إنهم لن يصابوا بمثلى ` . أجل فقد كانت حياته لهم بركة ما تُعوَّض ٬ ثم حم القضاء وذهب ٬ فكل مصاب بعده هين.
إن الإنسان يتخوف فقدان ما ألف ٬ أو وقوع ما يفدح حمله ٬ وكلا الأمرين بعد حدوثه يستقبل دون عناء جسيم . أعرفُ رجلا قطعت قدمه فى جراحة أجريت له ٬ فذهبت إليه لأواسيه ٬ وكان عاقلا عالما ٬ وعزمتُ أن أقول له: “إن الأمة لا تنتظر منك أن تكون عداء ماهرا ٬ ولا مصارعا غالبا ٬ إنما تنتظر منك الرأى السديد والفكر النير ٬ وقد بقى هذا عندك ولله الحمد” . وعندما عدته قال لى: “الحمد لله. لقد صحبتنى رجلى هذه عشرات السنين صحبة حسنة ٬ وفى سلامة الدين ما يُرضى الفؤاد” . وقد نقل لنا ` ديل كارنيجى ` هذه النصائح: “أعدوا أنفسكم لتقبل الحقيقة فإن التسليم بما حدث هو الخطوة الأولى فى التغلب على المصائب. وهذه الحكمة `لوليم جيمس` فسرها الفيلسوف الصينى ` لين يوتانغ ` بقوله: إن طمأنينة الذهن لا تتأتى إلا مع التسليم بأسوأ الفروض ٬ ومرجع ذلك من الناحية النفسية أن التسليم يحرر النشاط من قيوده. قال: ومع ذلك فإن الألوف المؤلفة من الناس قد يحطمون حياتهم فى سورة غضب ٬ لأنهم يرفضون التسليم بالواقع المر ٬ ويرفضون إنقاذ ما يمكن إنقاذه ٬ وبدلا من أن يحاولوا بناء آمالهم من جديد يخوضون معركة مريرة مع الماضى ٬ وينساقون مع القلق الذى لا طائل تحته” . والتحسر على الماضى الفاشل ٬ والبكاء المجهد على ما وقع فيه من آلام وهزائم هو فى نظر الإسلام بعض مظاهر الكفر بالله والسخط على قدره . ومنطق الإيمان يوجب نسيان هذه المصائب جملة ٬ واستئناف حياة أدنى إلى الرجاء وأحفل بالعمل والإقدام . وفى هذا يقول الله عز وجل : “ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير “
وفى ضوء هذه الآية تدرك قول القائل : فإن تكن الأيام فينا تبدلت ببؤسي ونعمى والحوادث تفعل فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للتى ليس تجمل ولكن رحلناها نفوساً كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا فصحت لنا الأعراض والناس هزل إن الينبوع الذى تسيل منه مخايل الرجولة الناضجة هو الذى تسيل منه معانى اليقين الحى.
وإذا وجدت الصبر يساوى البلادة فى بعض الناس فلا تخلطن بين تبلد الطباع المريضة وبين تسليم الأقوياء لما نزل بهم . وأول معالم الحرية الكاملة ألا يضرع الرجل لحاجة فقدها . وعندما يكون المرء عبد رغبة تنقصه فتلك ثغرة فى رجولته ٬ وهى بالتالى ثُلمة فى إيمانه .
والإيمان الحق يجعل الرجل صلب العود ٬ لا يميل مع كل ريح ٬ ولا ينحنى مع أى خلة. وإذا أحصينا الرجال الذين لا يأخذهم الدهش أمام المفاجآت عرفنا أن لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أى مفقود وما يسليهم عن كل فائت ٬ وبهذا الشعور يمكنهم أن يقتحموا كل حصار تضربه عليهم الليالى الكوالح . إن الرجل العربيد الهجام على لذائذ الحياة متعسفا أو متلطفا فى اقتناصها ربما تصيبه النازلة من نوازل الدهر فيلقاها فى غير مبالاة ٬ أو يقول قول امرئ القيس: “اليوم خمر وغدا أمر” . وفى الحياة أناس يلوذون بالاستخفاف والسخرية من كل شىء ٬ فإذا صوبت الأحداث لهم سهما مس جوانبهم كما تمس القذيفة الطائشة أطراف رجل مشغول عنها بأمر نفسه . وحالات هؤلاء لا تجعل مثلا يحتذى فى تحمُّل الشدائد بجلد أو مرح . وكل ما تدل عليه أن الحساسية بالآلام تتفاوت تفاوتا واسعاً بين الناس ٬ وإن الاستغراق فى حال ما طيبة أو خبيثة يخفف من حدة الشعور بالأذى. ومن ثم وجب على طلاب الكمال وأهل المروءة أن يتحصنوا بمثلهم العليا ٬ وأن يلتمسوا
السلوى فى ظلها . وأن يجدوا فى ذلك عزاء لا يجده الشطار والفجار فى الرضى بمآربهم الدنيا. ولقد قص علينا ` ديل كارنيجى ` قصة رجل أصابته قرحة فى أمعائه بلغ من خطورتها أن الأطباء حددوا له أوان وفاته ٬ وأوعزوا إليه أن يجهز كفنه. قال: “وفجأة اتخذ ` هانى `( اسم المريض *) قرارا مدهشا. إنه فكر فى نفسه إذا لم يبق لى في هذه الحياة سوى أمد قصير ٬ فلماذا لا أستمتع بهذا الأمد على أكمل وجه ٬ لطالما تمنيت أن أطوف حول العالم قبل أن يدركنى الموت ٬ فها هو ذا الوقت الذى أحقق فيه أمنيتى. وابتاع تذكرة السفر ٬ فارتاع أطباؤه وقالوا له: إننا نحذرك ٬ إنك إن أقدمت على هذه الرحلة فستدفن فى قاع البحر ٬ لكنه أجاب: كلا ٬ لن يحدث شىء من هذا ٬ لقد وعدت أقاربى ألا يدفن جثمانى إلا. فى مقابر الأسرة.” وركب `هانى` السفينة ٬ وهو يتمثل بقول الخيام : إنعم أقصى النعيم بما ملكت يداك قبل أن توسد اللحد فلا شىء هناك سوى تراب من تحتك وتراب من أعلاك فلا شراب ولا غناء ولا نهاية بعد ذاك وبدأ الرجل رحلة مشبعة باللهو والاستخفاف ٬ وأرسل خطابا لزوجته يقول فيه: `لقد شربت النبيذ على ظهر السفينة. ودخنت السيجار ٬ وأكلت ألوان الطعام كلها ٬ حتى الدسم المحظور منها ٬ وتمتعت فى هذه الفترة بما لم أتمتع به فى ماضى حياتى ` ثم ماذا؟. ثم يزعم ` ديل كارنيجى ` أن الرجل صح من علته ٬ وأن الأسلوب الذى سار عليه أسلوب ناجح فى قهر الأمراض ومغالبة الآلام ... لقد أيقن الرجل أن ساعته حانت فلم تفزعه رهبة الموت ٬ وبنى مسلكه عقب تكشف مصيره له على انتهاز كل لحظة
للعب من المتع الميسرة. فإذا هو بما عراه من سرور مذهل يتغلب على القرحة المعوية ويستعيد عافيته الأولى . ونحن لا ننكر آثار الانتعاش النفسى فى هزيمة الصعاب ٬ ونعترف ما لارتفاع القوى المعنوية من استهانة بالتعب ٬ واستطالة على العوائق ٬ وانتصار فى أغلب معارك الحياة.
بيد أننا نلفت النظر إلى الغلط الشنيع فى فهم الموت على أنه عدم محض ٬ وسوق أبيات الخيام السابقة لحفز الشهوات على التهام ما يمكنها من الحياة قبل أن تنتهى هذه الحياة ولا تعود.. هذه أكذب فرية يشيعها المبطلون فى أرجاء العالم . والحق الذى كان يجب على المنتسبين للأديان كافة أن يفقهوه وأن يقفوا عنده هو أن الموت مرحلة تتلوها حياة أضخم من حياتنا هذه ٬ وأعمق إحساسا ٬ وأرحب آفاقا. حياة تعد حياتنا هذه لهوا وعبثا إلى جانبها ٬ ولذلك يعبر القرآن عنها بلفظ أكبر فى مبناه ليكون أوسع فى معناه فيقول : “وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” . إن الشعور بأن الموت بداية فناء مطلق وهم يشيع للأسف بين الكثيرين ٬ وهو الذى يخامر المنتحرين عندما يقررون مغادرة الحياة . إنهم معذبون بالإحساس السارى فى أعصابهم بحملهم الغم والكرب ٬ فما الذى يريحهم من هذا الإحساس؟. الموت الذى يتوهمونه ضياعا وانقطاعا وفراغا من كل شعور!!. فكيف إذا علموا بالحقيقة المرة ٬ ووجدوا أنفسهم التى يريدون إزهاقها ما تزال باقية لم يتغير منها إلا الإهاب الذى احتواها حينا ٬ ثم عريت عنه دون أن ينقص وعيها أو يقل حسها؟!. إن ما بعد الموت طور أخر من أطوار الوجود الإنسانى يتسم بزيادة الوعى وحدة الشعور. قيل: إن أبا حامد الغزالى لما أحس دنو أجله قال لبعض أصحابه: ائتنى بثوب جديد. فقال له: ما تريد به؟. قال أبو حامد: سألقى به الملك!!. فجاءوه بالثوب ٬ فطلع به إلى بيته ٬
وأبطأ على أصحابه ٬ فلم يعد. فذهب إليه أصحابه يستطلعون نبأه ٬ فإذا هو ميت ٬ وإذا عند رأسه ورقة كتب فيها هذه الأبيات:
قُل لإخوان رأونى ميتا فرثونى ٬ وبكوا لى حزنا
.. أتظنونى بأنى ميتكم ليس هذا الميت والله أنا..
أنا فى الصور وهذا جسدى كان بيتى وقميصى زمنا
دأنا عصفور وهذا قفصى طرت عنهوبقى مرتهنا
أنا در قد حواه صدف لامتحانى فنفيت المحنا
أحمد الله الذى خلصنى وبنى لىفى المعالى سكنا
كنت قبل اليوم أناجى ملأ فحييت ٬وخلعت الكفنا
وأنا اليوم أناجى ملأوأرى الله جهارا علنا
قد ترحلت وخلفتكمو لست أرضى داركم لى وطنا
لا تظنوا الموت موتاإنه كحياة ٬ وهو غايات المنى..
لا ترعكم هجمة الموت فما هى إلا نقلة من هاهنا..
وهذه
الأبيات ٬ سواء صحت نسبتها للغزالى أم لم تصح ٬ فهى صورة صحيحة للفكر الدينى عما دار وراء الموت . ولقد قرأت لأحد الماديين أنه رأى صرصارا يموت لعله من ضربة عابرة فتمثل مستقبل البشرية كلها فى نهايته التافهة ٬ إنها هكذا تنقضى ٬ ويحتويها ظلام العدم والنسيان!!. أما أبيات الخيام التى تصور الميت جثة تحتها تراب وفوقها تراب ٬ ثم لا شىء بعد ٬ فهى ليست إلا تخليطا فى تخليط . وأى امرئ يبنى حياته على هذا الزعم فهو يبنيها على الخرافة . وقد يلتذ بعيشه على أوسع نطاق ٬ وقد يكون غرامه فى ملاقاة الدنيا بخيرها وشرها مثار نجاح وتأمل ٬ ولكنا لا يجوز أن نُخدع بهذه الصورة الباطلة . فالنهج الأقوم أن يكون مصدر طاقتنا المادية والمعنوية هو الحق وحده . وماذا على المريض المصاب بقرحة الأمعاء لو أنه حسب الموت نقلة من بلد إلى بلد ٬ فلم ير فيه وحشة مروعة ولا ظلاما مهولا.
وماذا عليه لو تحمل نبأ العلة التى أصابته بطمأنينة وتسليم لأنه يؤمن بالله ٬ ولا يحزن من لقائه وإن اقترب موعده . وأقرب إلى الحقيقة من أبيات الخيام الآنفة أبيات الشاعر ` محمد مصطفى حمام ` التى يقول فيها
: علمتنى الحياة أن “حياتى” إنما كانت امتحانا طويلا
قد أرى بعده نعيماً مقيماً أو أرى بعده عذاباً وبيلا
عل خوفى يردنى عن أمور خبثت غاية وساءت سبيلا
وعد الله من ينيب ويخشى بطشه رحمة وصفحا جميلا
وبحسبى وعد منالله حق إنه كان وعده مفعولا
. الواقع أن الجزع والجبن والتحسر وشتى العواطف التى تنتاب الناس بإزاء الموت تعود إلى فهمه على أنه انتقال من وجود إلى عدم ٬ ومن ضياء إلى ظلام ٬ ومن إيناس إلى وحشة. فهل يدرى هؤلاء أن هذه الحياة الدنيا بما فيها ومن فيها ستكون ذكريات حافلة مثيرة ٬ وأن يوما لا بد منه سوف يقدم ليتلاقى فيه الصالحون ٬ فيقول بعضهم لبعض : قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم . أما حديثهم عن الملحدين والجحدة فإليك نبأه : فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين